مقدمة الكتاب

الحمد لله رب العالمين. وبعد،

أذكر أنه بدأت علاقتي بمجال "إدارة المشاريع" في التسعينيات من القرن الماضي، إلا أنني لم أكن أتوقع أو أُخطط أن يكون مجال عملي المفضل مستقبلاً. كان الحديث عن علم ومُمارسات "إدارة المشاريع" في بداياته حتى أني عندما حصلت على شهادة مدير مشاريع محترف بعدها بقليل، كنت من العرب الأوائل الذين حصلوا عليها. منذ ذلك الحين، وحتى الآن، ترسخت قناعتي واعجابي بهذا العِلم والفن كأحد أهم الوسائل الأساسية لنجاح المؤسسات بل والأمم.

وأعتقد أن دراسة وممارسة "إدارة المشاريع" لها وقع عجيب على النفس، فبينما تجدها متشعبة ومترامية التفاصيل لتشتمل على جوانب إدارية كثيرة، تجدها –كذلك-منطقية سلسة يسيرة الفهم والتطبيق ويمكن ربط شعثها بمجرد اتقاد ذهنك ووضوح هدفك. يذكرني هذا الوقع العجيب بذلك الشعور الذي ينتاب الكثيرين عندما يتعاملوا مع مدير مشاريع ناجح، فعندما يمتلك مدير المشروع أصول وأدوات "إدارة المشاريع"، يُصبح قادرًا على التواصل مع جميع الأطراف على اختلاف تخصصاتهم وأهدافهم، بل ويستطيع أن يقود تنفيذ وتكامل مهام الجميع على اختلاف نوعياتها، وهي مهارة قل أن تجتمع لدى شخص واحد.

ولعل أحد أصول وأدوات مدير المشروع الناجح، هي ما يتوفر لديه من مراجع ونماذج وأُطر عمل إدارية خاصةً إن كانت بلغة مجتمعه وبيئة عمله، وهو ما نسعى للمساهمة فيه من خلال إضافة هذا الكتاب إلى المكتبة العربية، فقد اتفق الجميع على أن القدرة على الإبداع أيسر عند تفعيل واستثمار اللغة الأم، ومما لا شك فيه أن مكتبتنا العربيـة

لا تزال في حاجة ماسة إلى الكثير في إطار "إدارة المشاريع"، وألا يكون رافدها الوحيد هو الترجمة من اللغات الأخرى –وعلى رأسها الإنجليزية-مع عدم الإقلال من أهمية ذلك.

فبينما تُعتبر الترجمة هي أحد أهم وسائل نقل المعرفة، لا ينبغي علينا أن نتوقف عند فوهتها، بل ينبغي أن نتحرك لمرحلة تخليق المعرفة بواسطة لغتنا وخبراتنا المحلية، وإلا سنظل ناقلين ومتأثرين بما يسبقنا إليه الآخرون. 

إن ما يتم حاليًا من مشاريع في المنطقة العربية بصورة عامة، والخليجية بصورة خاصة، وما يترتب عليه من استيعاب وجلب كثير من الخبرات العالمية يمثل فرصة ذهبية لسرعة الانتقال من حالة التبعية المحضة إلى حالة المساهمة المتفاعلة، وهو ما يدعو الجميع لاستثمار هذه الحقبة من عمر المنطقة لبناء إمكانات إدارية وتنمية الكفاءات البشرية لتضاف إلى الموارد والإمكانات الطبيعية المتوفرة بالمنطقة. 

وبِناءً على ما سبق من أهمية "إدارة المشاريع" وضرورة مساهمتنا فيها، آثرت أن أضع هذا الكتاب بما فيه من أفكار وخبرات ووثائق، كمحاولة لنشر رؤية متكاملة لإدارة المشاريع من منظور مؤسسي، بحيث تٌدَعم تناغم وتكامل أعمال الأفراد مع مختلف الكيانات الإدارية بالمؤسسة. 

ومما يبعث على السعادة، أنه فضلاً عن كون لغة الكتاب هي اللغة العربية، فإن محتواه يأتي كتوثيق لخبرات واقعية من الوطن العربي. فقد تكونت تلك الخبرات عبر إنشاء وتشغيل العديد من مكاتب إدارة المشاريع والبرامج الاستراتيجية بالعديد من منشآت القطاع الخاص والقطاع الحكومي. لعل أهم وأحدث تلك التجارب هي قيادتي لإنشاء وتشغيل المكتب المؤسسي لإدارة مشاريع وزارة العمل بالمملكة العربية السعودية، وما تلاه من إشراف ودعم تحسين نُضج ممارساته المؤسسية في إدارة المشاريع. فقد كانت بحق قصة نجاح شارك فيها فريق عمل مميز من مديري برامج ومشاريع ومنسقين، حتى أني أعُد هذه الخبرة في مراحلها المختلفة أحد أعمدة التحول الإيجابي التي تمت داخل الوزارة.

لإنشاء وتشغيل المكتب المؤسسي لإدارة مشاريع وزارة العمل بالمملكة العربية السعودية، وما تلاه من إشراف ودعم تحسين نُضج ممارساته المؤسسية في إدارة المشاريع. فقد كانت بحق قصة نجاح شارك فيها فريق عمل مميز من مديري برامج ومشاريع ومنسقين، حتى أني أعُد هذه الخبرة في مراحلها المختلفة أحد أعمدة التحول الإيجابي التي تمت داخل الوزارة.

اقتناء هذا الكتاب له عدة فوائد، فهو سيساعدك على إدراك معنى إدارة المشاريع وحتمية معالجتها من منظور مؤسسي، وكأحد تطبيقات الإدارة المؤسسية للمشاريع، سيعرض الكتاب إطار عمل جديد متكامل قمت بتطويره وبتسميته "نماءّ إداريّ مُستدام" والذي سيمثل مظلة متكاملة للحديث عن المهام والمشاريع والبرامج والمحافظ وارتباطها بالأهداف الاستراتيجية والعمليات التشغيلية.

وكذلك، يستعرض الكتاب معنى ومغذى مُصطلح "نُضج الإدارة المؤسسية للمشاريع"، وأهمية قياسه بشكل مستمر ومن ثم ستجد ملخص ثري عن "نموذج نُضج الإدارة المؤسسية للمشاريع "أُو بي إم 3"" الصادر من معهد إدارة المشاريع، كنموذج يساعد المؤسسات على قياس وتطوير نُضج ممارساتها المؤسسية في إدارة المشاريع،

كل ذلك، حتمًا سيساهم في إدراكك للصورة الكلية للإدارة المؤسسية للمشاريع وهو ما يستدعي عرض متطلبات تبنيها، وما يحتاجه من إدارة تغيير اخترت له نموذج "أدكار" كأداة تطبيقية، لتصبح مفاهيم وممارسات الإدارة المؤسسية للمشاريع ملك للجميع وليست قرارات أو أوامر يتم تنفيذها بصورة صماء.

وحيث أننا نعد الكتاب دليلاً لنجاح الإدارة المؤسسية للمشاريع، فقد حاولت إضافة فائدة أخرى تتمثل في حصول القارئ على نسخة إلكترونية كاملة من قوالب إدارة المهام والمشاريع والبرامج ومحفظة المشاريع والاستراتيجية متوافقةَ مع إطار عمل "نماء إداري مستدام"، وبذلك تمثل محتويات الكتاب ككل نموذج أولي لمنهجية وآلية إدارة الأعمال المؤسسية في المشاريع.

ولعلي في ختام هذه المقدمة أذكرك عزيزي القارئ بأن هذه الصفحات والكلمات ستدب فيها الحياة –فقط-عندما تبدأ في نقلها إلى واقعك العملي ممزوجة بفكرك ولمساتك لتهيئها بما يُناسب بيئة عملك مكانًا وزمانًا. ولعلي أيضًا أدعوك للمساهمة في بلورة إدارة عربية مؤسسية للمشاريع تُراعي تميزنا وتمايزنا وذلك بأي وسيلة تُجيدها، وبأي جهد توظفه حتى وإن قل، فكثير من جهد المقل للإدارة العربية –كهذا الكتاب-جدير بأن يصنع توجُه عام يفرض نفسه ويدعم قدراتنا ويبعث طاقاتنا. 

أختم هذه المقدمة بالتأكيد على أن الحكمة هي طريق ممتد ومستمر لمن أراد أن يتعلم من تجارب وآراء الآخرين، كما أتمنى أن تكون محتويات هذا الكتاب دعائمٌ لخطواتك واستمرارها على هذا الطريق، وأن تُشارك الآخرين فيما تراه نافعًا منه، كما يسعدني أن أتلقى بتعليقاتك عبر صفحة التواصل أو التواصل عبر حسابي على LinkedIn

عماد الصادق